مساحة إعلانية

سعر الحديد تركيز: 62%

 

99,12 $    

مساحة إعلانية

Résultat de recherche d'images pour "‫مساحة اعلانية‬‎"

تابعونا على الفيس

فيديو

قلب الريشات : فرصة وادان التي لا تعوض

خميس, 17/09/2026 - 21:16

قلب الريشات.. فرصة وادان التي لا تُعوَّض!
    لا ينبغي أن تكون زيارة رئيس الجمهورية إلى مدينة وادان مجرد محطة بروتوكولية ضمن برنامج رسمي، أو مناسبة احتفالية عابرة بمدينة تاريخية عابرة؛ بل يجب أن تُتخذ فرصةً لفتح ملف أحد أعظم الكنوز الجيولوجية والسياحية والثقافية في موريتانيا: "قلب الريشات" أو ما يُعرف بـ"عين إفريقيا".
    على مدى أكثر من عشرين عامًا، خصصتُ لهذا المعلم حيزًا من كتاباتي يفوق أي موضوع آخر، إيمانًا مني بأنه يتجاوز كونه تكوينًا جيولوجيًا فريدًا ليقف كمعلم ذي قيمة علمية عالمية. لقد بات هذا الموقع محط أنظار وكالات الفضاء الدولية وعلى رأسها "ناسا"، وقبلة للجامعات ومراكز الأبحاث، حتى أصبح يُعرف بكونه "بوابة رواد الفضاء إلى الأرض". وقد شاركني هذا الاهتمام كُتّاب وباحثون آخرون، من أبرزهم الأستاذ الدكتور إسلكو ولد إزدبيه Isselkou Ahmed Izidbih  (رئيس جامعة نواكشوط سابقًا ورئيس مجلس جائزة شنقيط الحالي)، الذي دعا في كتاباته باللغة الفرنسية إلى ضرورة  الاهتمام بالموقع، ومنحه إطارًا مؤسسيًا مستقلاً يليق بخصوصيته وأبعاده الوطنية والدولية.
    اليوم، لم يعد السؤال المطروح: هل يستحق قلب الريشات الاهتمام؟ بل: متى ننتقل من التنظير والحديث عنه إلى الاستثمار الحقيقي فيه؟
   فالفجوة بين مكانة الموقع العالمية وحجم استثماره محليًا باتت صارخة. فبينما تتخذه الأوساط العلمية الدولية معلمًا استثنائيًا للدراسة والبحث، لا يزال حضوره في موريتانيا خجولًا، يقتصر على المطويات والمقالات والمناسبات الموسمية، بدلاً من أن يتبلور في مشروع وطني مستدام يدمج بين البحث العلمي، والسياحة الجيولوجية، والتنمية المحلية، ويؤسس لشراكات مع المؤسسات البحثية العالمية.
لماذا رئاسة الجمهورية تحديدًا؟
      إن المشاريع الاستراتيجية الكبرى تتطلب إرادة عليا قادرة على توحيد الجهود، وتجنيبها مقصلة التشتت الإداري، وتحويل الرؤى إلى مؤسسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
    ولعلي أستحضر هنا تجربتي خلال النسخة الأخيرة من    مهرجان "مدائن التراث" بوادان، حيث شرفت بتمثيل "منتدى الفائزين بجائزة شنقيط". هناك، جمعني حديث مطول مع عمدة المدينة – وهو أستاذ جامعي – حول حتمية تثمين "قلب الريشات" واستغلاله علميًا واقتصاديًا.        ورغم ذلك، صُدمت بأن حضور هذا المعلم في المهرجان كان باهتًا ولا يعكس قيمته الحقيقية، إذ انحصر في بعض النشرات التعريفية، في حين كان يُفترض أن يكون العنوان الأبرز لمشروع وطني ضخم. 
    وقد حاولتُ لاحقاً التواصل مع العمدة لتنفيذ زيارة خاصة وعدني بها للموقع، كما حاولت لقاء نائب المقاطعة عندما زرنا عند الأسرة الوادانية الفاضلة التي استضافتنا، لكن تلك المساعي لم تُكلل بالنجاح.
    المشكلة هنا لا تتعلق بالأشخاص، بل بآلية التعاطي مع الفرص الوطنية. فغالبًا ما تُستنزف طاقات المهرجانات والزيارات في الصور، والولائم، والاستعراضات الإعلامية، ليغيب السؤال الأهم: ماذا سيتبقى للأهالي بعد انقضاء الحدث؟
      من هنا أقولها بوضوح: إذا أردنا لهذه الزيارات أن تثمر مشاريع مستدامة، فلنترك صدارة المشهد للساكنة، والمجتمع المدني، ورئيس الجمهورية. 
    فأهل وادان هم الأدرى باحتياجاتهم، والمجتمع المدني هو الصوت المعبر عن تطلعاتهم، ورئيس الجمهورية هو مالك سلطة القرار القادرة على تحويل هذه التطلعات إلى واقع.
    إن التأخر في مواكبة البحث العلمي حول "قلب الريشات" وتثمين مقدراته سيُبقي موريتانيا في ذيل المستفيدين من إرثها الخاص. وحينها لن تقتصر الخسارة على الجانب المعرفي، بل ستتعداه إلى الجانب الاقتصادي؛ فالمعرفة التي لا تُستثمر في موطنها، تتحول فوراً إلى قيمة مضافة في دول أخرى. 
     لا يُعقل أن يُلهم موقعنا باحثي العالم وتدرك مؤسسات الغرب قيمته، بينما تقف مؤسساتنا عاجزة عن تحويله إلى رافعة تنموية.
      الثروة ليست محصورة في المعادن الكامنة تحت الأرض؛ بل قد تتجسد في موقع جغرافي أو فكرة رائدة متى ما أُحسن استثمارها. وادان ليست مجرد أطلال من الماضي، وقلب الريشات ليس مجرد صخور متناثرة في الصحراء؛ إنهما نافذة نحو المستقبل. 
    والمستقبل لا يُبنى بالاحتفالات والخطابات، بل بقرار سيادي، ومؤسسة مسؤولة، وتمويل مستدام.
    المهرجانات تنقضي، والصور تتوارى، ولكن المشاريع التنموية وحدها هي التي تبقى لتخلق فرص العمل، وتستقطب السياح والباحثين، وتعيد للمجتمعات المحلية حقها في ثروة طال انتظار قطافها.
    إنها فرصة وادان التي لا تُعوَّض... فهل نُحسن استثمارها؟
  
(ملاحظة: الصورة المرفقة تمثل جانبًا من المقالات والتغطيات التي أبرزت الاهتمام الدولي بـ"عين إفريقيا" كبوابة لرواد الفضاء).

لمرابط محمد الخديم