
في المقالين السابقين: «نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم» و«لماذا نحتفل بمولد الهادي صلى الله عليه وسلم؟
https://avaghfikria.info/archives/4140
حاولت أن أبتعد عن الجدل الفقهي حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، لأتوقف عند سؤال أراه أكثر إلحاحًا في زماننا: كيف نستثمر هذه الذكرى العطرة في تجديد محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بسيرته وأخلاقه؟
فالمولد، في نظري، لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة تنتهي بانتهاء لياليها، ولا أن تختزل محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم في مظاهر احتفالية عابرة؛ وإنما ينبغي أن تكون هذه الذكرى مناسبة لاستحضار سيرته، والتأمل في أخلاقه، وتحويل محبته إلى ممارسة يومية في حياتنا.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استحضار صبره على الأذى، وعفوه عند المقدرة، ورحمته بالضعيف، وتسامحه مع المخالف، وتواضعه مع الناس؛ لأن العالم الذي نعيش فيه، رغم تقدمه المادي الهائل، يزداد حاجة إلى القيم التي جاء بها رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا، فإن الاحتفاء الحقيقي بالمصطفى صلى الله عليه وسلم هو أن نخرج من ذكرى مولده بأخلاق جديدة، وأن يصبح حبنا له ظاهرًا في تعاملنا مع أهلنا وجيراننا ومجتمعنا، وأن تتحول سيرته من صفحات نقرأها إلى قيم نعيشها.
محبة عضوية لا مناسبة عابرة
وإذا كان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإن لهذا الحب في وجداننا الشنقيطي خصوصية تستحق التأمل.
فالمحبة عندنا لم تكن يومًا مجرد فكرة نظرية، بل تحولت عبر القرون إلى ثقافة اجتماعية وذاكرة جماعية، تجلت في المدائح النبوية، وفي المجالس، وفي العادات، وفي صور الكرم والتكافل التي تصاحب هذه المناسبة.
واليوم، الثلاثاء 19 ربيع الأول 1448هـ، الموافق فاتح سبتمبر 2026م، وبعد سبعة أيام من احتفالاتنا بمولده صلى الله عليه وسلم نعود نحتفل ونحتفي بإسمه صلى الله عليه وسلم، ونحن في موريتانيا نكاد ننفرد بهذه الصورة الممتدة من الاحتفال، التي تعكس عمق حضور النبي صلى الله عليه وسلم في وجدان المجتمع.
إنها محبة عضوية؛ محبة تسري في تفاصيل الحياة، ويشارك فيها الموريتانيون على اختلاف شرائحهم ومناطقهم وأعرافهم.
ففي هذه الأيام يحرص الناس على ارتداء جديد الثياب، وإقامة الموائد بما تيسر من الطعام والذبائح، ثم يوزعون منها على الجيران والأقارب، في تقليد اجتماعي يعرف محليًا بـ«السهم». وتتجدد الزيارات، وتصل الأرحام، وتُفتح البيوت، وتلتقي القلوب، وكأن ذكرى (الإسم) وقبلها المولد تستخرج من المجتمع أجمل ما فيه من قيم التكافل والتراحم.
حتى الأطفال لهم نصيبهم من هذه الفرحة؛ إذ يقدم لهم الكبار الإكراميات المعروفة محليًا بـ«اندوينة»، ليشعروا أن هذه الأيام ليست كغيرها، وأنها أيام الجناب النبوي الشريف.
وهكذا يتعلم الطفل، منذ صغره، أن للمصطفى صلى الله عليه وسلم مكانة خاصة في وجدان مجتمعه، وأن محبته ليست درسًا نظريًا، بل فرحًا وكرمًا وصلة رحم وتكافلًا.
وذلك في زمن أصبحت فيه الماديات تستولي على كثير من تفاصيل حياتنا، وتحتاج فيه الأجيال الجديدة إلى أن نمنحها شيئًا من ذاكرتنا الروحية والثقافية.
ثم يأتي المساء، فتتزين المجالس بمدائح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتتغنى الألسن بشمائله، وتستعاد سيرته، وتتعطر المجالس بالصلاة والسلام عليه.
وكيف لا؟
ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو ثاني ركن في الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله: محمد رسول الله.
ونحن نصلي ونسلم عليه في صلواتنا الخمس، فنقول: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، بضمير الحاضر، استحضارًا لمقامه الشريف في صلاتنا وقلوبنا.
ثم إن صلتنا به صلى الله عليه وسلم لا تنتهي عند حدود الدنيا؛ ففي القبر يُسأل الإنسان عن دينه ونبيه، ويأتي السؤال عن هذا الرجل الذي حمل الرسالة، وبلغ الأمانة، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور.
وهو صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة، والمنقذ بإذن الله من النار، والهادي إلى صراط الله المستقيم.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يتغنى الشعراء بمقامه، ومن أجمل ما قيل:
وشقَّ له من اسمه ليُجلَّهُ
فذو العرش محمودٌ وهذا محمدُ
وقال آخر:
قضى الله للعلياء أن تتجسدا
فقال لها كوني فكانت محمدًا
المولد فرصة لا غاية
ولعل الرسالة التي ينبغي أن نخرج بها من هذه الذكرى هي أن المولد وسيلة لاستحضار المصطفى، وليس غاية تنتهي بانتهاء الاحتفال.
فالثوب الجديد جميل، والمائدة عامرة، والفرحة محببة، والمديح عذب، والزيارات وصلة الرحم قيم عظيمة؛ لكن الأجمل من ذلك كله أن يبقى أثر المصطفى صلى الله عليه وسلم في أخلاقنا بعد أن تنتهي المناسبة.
أن نصبر كما صبر. أن نعفو كما عفا. أن نرحم كما رحم. أن نتسامح عند المقدرة. أن نكون أمناء وصادقين وعادلين.
وأن نجعل من حبنا له صلى الله عليه وسلم قوة لبناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، ونشر الرحمة بين الناس.
فـنصرة المصطفى ليست شعارًا نرفعه، وإنما أخلاق نعيشها؛ ومحبته ليست كلمات نقولها، وإنما سلوك نمارسه.
وهنا يصبح الاحتفاء بالمولد ذا معنى أعمق: أن نعيد اكتشاف المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياتنا، وأن نعرّف أبناءنا به لا باعتباره شخصية من الماضي، وإنما باعتباره قدوة حية في الرحمة والإنسانية والأخلاق.
فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
عيد سعيد، وكل عام وأنتم بخير، وموريتانيا وأهلها في أمن وسلام ومحبة.
لمرابط محمد لخديم


(1).png)
.gif)


