
الذهب الموريتاني… ثروة تتسرّب من بين أيدينا
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى تنويع الاقتصاد الوطني، يفرض قطاع الذهب نفسه بوصفه أحد أهم الموارد الاستراتيجية في موريتانيا. غير أن المفارقة الصادمة لا تكمن في حجم الإنتاج، بل في ضعف الاستفادة منه.
فحين يعلن رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، زين العابدين ولد الشيخ أحمد، أن إنتاج المنقبين التقليديين تجاوز 30 طنًا هذا العام، مقابل نحو 19 طنًا فقط لشركة تازيازت، فإن هذا الرقم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نجاحًا فحسب، بل كجرس إنذار.
لقد أصبح التعدين الأهلي فاعلًا رئيسيًا في إنتاج الذهب، لكن دون أن يتحول إلى رافعة حقيقية للاقتصاد. والسبب بسيط: غياب الحوكمة.
ففي الجانب الصناعي، لا تزال اتفاقيات سابقة تُقيّد قدرة الدولة على تعظيم عائداتها، ما يستدعي مراجعة جادة تعيد التوازن بين المستثمر الأجنبي والمصلحة الوطنية. أما في التعدين التقليدي، فإن السياسات التي تُدار بها المنظومة، من خلال معادن موريتانيا، تبدو محدودة الفاعلية، أقرب إلى التسيير الظرفي منها إلى الرؤية الاستراتيجية.
المشكلة لا تكمن في المنقبين أنفسهم، بل في غياب إطار اقتصادي يُحوّل نشاطهم من فوضى إنتاج إلى قيمة مضافة. فهؤلاء، في غالبيتهم، يدخلون المجال دون تأطير مالي أو توجيه استثماري، ما يجعل عائداتهم عرضة للتبذير أو التبخر السريع.
والأخطر من ذلك، أن جزءًا معتبرًا من الذهب يُتداول خارج القنوات الرسمية، بل يُهرّب أحيانًا إلى الخارج، ما يحرم الدولة من موارد حيوية، ويُفرغ النشاط من أثره التنموي.
إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن الثروة تُستخرج، لكنها لا تُستثمر.
كان بالإمكان، بدل هذا التسيب، إنشاء شركات أهلية أو تعاونيات منظمة تُلزم المنقبين بالمساهمة فيها، وتُدرج إنتاجهم ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، بما يضمن الشفافية، ويعزز الإيرادات، ويخلق فرصًا حقيقية للتنمية المحلية.
كما أن استنزاف بعض مواقع التنقيب في وقت وجيز، دون أي تخطيط مستدام، ينذر بخسارة طويلة الأمد، قد لا تُدرك آثارها إلا بعد فوات الأوان.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في زيادة الإنتاج، بل في تحسين إدارته. فالدول لا تُقاس بثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على تحويلها إلى قوة اقتصادية مستدامة.
وفي الحالة الموريتانية، يبدو أننا أمام معادلة مختلّة:
ذهب كثير… واقتصاد قليل.
المرابط لخديم

(1).png)
.gif)


